|
بسم الله الرحمن الرحيم
معنى
نواقض الوضوء:
2- الوضوء: من الوضاءة وهي الحسن والنظافة، وهو بالفتح الماء
الذي يتوضأ به، وبالضم أعمال الوضوء.
ومعنى نواقض الوضوء: إخراج الوضوء عن الشيء المطلوب له، والمطلوب من
الوضوء استباحة ما لا يجوز فعله بدونه
.
أو المقصود منها مفسدات الوضوء ومبطلاته و يجب إعادة الوضوء بحصولها
عند إرادة المكلف أداء العبادة التي لا تتم إلا بطهارة الوضوء.
الضوابط العامة لنواقض الوضوء:
الناظر في مجمل مفسدات الوضوء ونواقضه من خلال النصوص
الشرعية يخرج بضوابط عامة تمكنه من الحكم على وضوئه بالصحة أو الفساد
بعرض تلك الأحداث الطارئة عليه على تلك الضوابط.
ويمكن أن نخلص من خلال قراءتنا لتك النصوص إلى ضوابط
معينة نلخصها في النقاط التالية:
1-
كل ما خرج من السبيلين.
2-
كل نجس خارج من الأنف أو الفم.
3-
كل نجس خرج من جلد الإنسان أو لاقى الجسد.
4-
كل معصية يرتكبها الإنسان، لتنافيها مع روح العبادة ؛ إذ الشارع جل
وعلا يجمع بحكمته في العبادات بين الطهارة العنوية والطهارة الحسية.
5
مس العورة المغلظة أو أي شيء حرم عليه مسه.
6
زوال العقل الذي هو الأداة التي تمكنه من إدراك وضبط أفعاله.
تلك هي مجمل الضوابط العامة لنواقض الوضوء المستنبطة من خلال قراءة
النصوص الواردة في نواقض الوضوء.
مسألة نقض الوضوء مما مست النار:
معنى ذلك أن المتوضئ لو أكل طعاما مما طبخ على النار
فإنه ينتقض وضوؤه بناء على الروايات الواردة في ذلك.
وهذا الرأي مروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وزيد بن ثابت
وأبو موسى وأبو هريرة وأنس وذهب إليه عمر بن عبد العزيز والحسن
والزهري، فقد رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: توضؤوا مما مست
النار، وفي رواية أخرى: توضؤوا مما غيرت النار.
ثم بعد ذلك اتفق من جاء بعدهم على أنه لا يجب الوضوء مما
مست النار نتيجة حصول النسخ بترك الوضوء مما مسته النار
، بدليل قول جابر بن عبدالله " كان آخر
الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار ".
لكنهم اختلفوا في مسألة نقض الوضوء بأكل لحم الجزور أو الإبل لحديث
جابر بن سمرة الذي سيأتي ذكره.
الخلاف في المسألة:
اختلف قومنا في هذه المسألة إلى قولين:
1-
أن الوضوء لا ينتقض بأكل لحم الجزور، وإليه ذهب الحنفية
، والمالكية،
والشافعية.
2-
أن الوضوء ينتقض، وهو معتمد الحنابلة والظاهرية
.
استدل الأولون بحديث جابر بن عبدالله السابق وأنه ناسخ لأحاديث الوضوء
مما مست النار ويدخل من ضمنها لحم الجزور.
أما الحنابلة فقد استدلوا بحديث جابر بن سمرة أن رجلاً سأل رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أ أتوضأ من لحم الغنم ؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن
شئت فلا توضأ، قال: أتوضأ من لحم الإبل ؟ قال: نعم فتوضأ من لحم
الإبل، قال أصلي في مرابض الغنم ؟ قال: نعم، قال أصلي في مبارك الإبل
؟ قال: لا ).
وحديث البراء بن عازب قال: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
الوضوء من لحم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحم الغنم فقال: لا تتوضؤوا منها، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في
مبارك الإبل فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال:
صلوا فيها، فإنها بركة ).
وذكر ابن القيم الحنبلي معللا ذلك بقوله:" وقد جاء أن على ذروة كل
بعير شيطان، وجاء أنها جن خلقت من جن، ففيها قوة شيطانية، والغاذي شبيه
بالمغتذي، ولهذا حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير لأنها دواب
عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العدوان ما يضره في
دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشيطانية والشيطان
خلق من نار والنار تطفأ بالماء...فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان
في وضوئه ما يطفيء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة"
.
فهم يتعاملون مع الرواية ويعللونها بشيء غيبي يحتاج إلى دليل قطعي، ثم
إن ذلك يتنافى وروح الشريعة الإسلامية والضوابط العامة لنواقض
الوضوء،فلينظر في كتاب الله الذي جعل لنا الإبل من الأنعام التي نتفكر
فيها وبين أنها من الحلال الطيب، ولا يتناسب الشيطان الذي هو شر مع هذه
النعمة العظيمة.
الرؤية الصحيحة:
إن النظرة المبتسرة للنص الفقهي واختزالها تؤدي بحكم قصورها إلى ضعف
الاستنتاج والاستنباط الشرعي، بعكس الرؤية الكلية للقواعد العامة
للشريعة الإسلامية، إذ إن (الفقه المعتمد على منظومة القواعد والأحكام
المستنبطة من خلال النظر في آيات الله في الوحي والكون ثم استبطانها في
تفسير النصوص هو الذي يضبط الأحكام المأخوذة من النصوص المجتزئة وكذلك
القضايا المستجدة)
.
لكن المتفحص في تلك الروايات يجد أن المقصود بالوضوء هو الوضوء اللغوي
أي التنظيف والغسل للفم واليدين وليس هو الوضوء الشرعي المعهود، وهو
الذي اتفق عليه أصحابنا رضوان الله عليهم قاطبة
.
وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه
وسلم، فقد ورد في مسند الإمام الربيع رحمه الله
1- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال:
قال بلال: حدثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: لا يتوضأ من طعام أحل الله.
2- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قالت عائشة رضي الله عنهما:
قدمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيسا ملتتا بسمن فأكل منه ولم
يتوضأ. قال الربيع: الحيس السويق الملتت بالسمن.
3- أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أوتي بكتف مؤربة فأكل ثم صلى ولم يتوضأ. قال الربيع: المؤربة
الموفرة.
بل إنه لم يرو عند أصحابنا تلك الأحاديث الآمرة
بالوضوء مما مست النار ولا الوضوء من لحم الإبل.
فهذه الأحاديث تدل على أن الأكل لما طبخ لا ينقض الوضوء، والحديث
الأول يشير إلى وجود فكرة منتشرة بين الصحابة وهي الوضوء مما مست
النار، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يوجه بعض أصحابه الذي فهموا
الوضوء بالمعنى الشرعي بالرؤية القرآنية، وهي أن ذلك مما أحله الله
تعالى فكيف ينقض الوضوء، فقال:لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله، وبين
ذلك من فعله حيث إنه أكل من كتف مؤربة فصلى ولم يتوضأ.
ومن المعلوم أن الذي ينقض الوضوء هو الأنجاس الخبيثة لا ما أحله الله
تعالى وأباحه لنا من الطيبات
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ
لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم)(المائدة:
من الآية1)
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي
أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ
الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)
(الحج:28)
(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ
اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأنعام:142)
( وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ)(الحج: من الآية30)
(أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (الغاشية:17)
وقد جاء عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل
طعاما، ثم أقيمت الصلاة فقام، وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء
ليتوضأ منه، فانتهرني وقال: وراءك، فساءني والله ذلك، ثم صلى فشكوت ذلك
إلى عمر، فقال: يا نبي الله إن المغيرة قد شق عليه انتهارك إياه وخشى
أن يكون في نفسك عليه شيء،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس عليه في نفسي إلا خير ولكن أتاني
بماء لأتوضأ وإنما أكلت طعاما ولو فعلت فعل الناس ذلك بعدي
.
وعن أنس بن مالك قال كنت أنا وأمي وأبو طلحة جلوسا فأكلنا لحما وخبزا
ثم دعوت بوضوء فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا، فقالا:
أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ منه من هو خير منك.
فنجد أن بعض الصحابة ومن بينهم المغيرة فهموا الوضوء بالمعنى الشرعي
مما أغضب النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشقة ذلك وأنه يتنافى مع روح
الشريعة التي جاءت بالتيسير على الناس.
وتجد ذلك أيضا عند أنس فقد فهم الوضوء بالمعنى الشرعي، ويعكس اتضاح
الرؤية عند أم أنس وأبي طلحة، فقالا:أتتوضأ من الطيبات؟؟
ويدلل على عدم فهم المسألة عند بعض الصحابة:
ما أخرجه البيهقي في سننه بسنده عن معاذ بن جبل أنه
قيل له:إن أناساً يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: توضؤوا
مما مست النار، فقال: إن قوماً سمعوا ولم يعوا، كنا نسمي
غسل اليد والفم وضوءاً وليس بواجب، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم المؤمنين أن يغسلوا أيديهم وأفواههم مما مست النار وليس بواجب
).
فمعاذ بن جبل يخبرنا بأن بعض الناس لم يعوا ما قاله النبي صلى
الله عليه وسلم، وأن المقصود بالوضوء هو الوضوء اللغوي لا الشرعي
وقد جاء عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه سمع المطلب بن عبد الله بن
حنطب يقول قال ابن عباس: ثم أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا لأن
النار مسته؟؟ فجمع أبو هريرة حصى فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال توضؤوا مما مست النار.
إذا لا بد من ضوابط للرواية ومن أهمها ( ضرورة تماشي الرواية الآحادية
مع روح القرآن الكريم والقيم الإسلامية العليا عن صاحب الرسالة صلى
الله عليه وسلم السنة المتواترة ومقاصدها وكلياتها).
تعامل أصحابنا مع هذه المسألة:
ذكرنا سابقا أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أجمعوا على أن المراد
بالوضوء هو غسل الفم واليدين وليس الوضوء الشرعي.
يقول الإمام أبو سعيد الكدمي رحمه الله في تعليقه على كتاب الإشراف
لابن المنذر النيسابوري:" قول من قال إن مس
ما مسته النار ينقض الوضوء شاذ عندنا في معاني الاتفاق وثبوت الكتاب
والسنة، لأن الأشياء طاهر أصلها وأن النار لا تغيرها ولا تحيلها إلى
النجاسة بحال، بل يرجى في معاني كثير أن النار تطهر النجاسات...والعجب
ممن يذكر في معاني الفقه، ولعله ثبت في معاني الاتفاق من قولهم أنهم
أجازوا التطهر بالماء المسخون".
فالإمام أبو سعيد يحكي اتفاق الأصحاب على ذلك لأن ذلك
مما يتفق مع مدلولات الكتاب العزيز والسنة النبوية،وبطريق الاستقراء
يتبين أن النار من المنظفات للنجاسة.
ويوجه القول بأن المقصود بما مسته النار هو الماء المسخن وهذا يصح لأنه
مما يتفق مع روح الشريعة الإسلامية.
وهذا الإمام ابن بركة في معنى كلامه أن ذلك محمول على النظافة وهو غسل
اليد والفم استحبابا لا إيجابا، ولو كان الوضوء المقصود هو الوضوء
الشرعي لكان معارضا لما هو مروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بكتف
مؤربة أي موفرة فأكل منها ولم يتوضأ،وأيضا ما جاء عنه أنه قال: لا
وضوء من طعام أحل الله أكله.
ثم إن الأعراب كانت لا تغسل منه وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه،
فأفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل الأيدي مما مست النار من الأطبخة والشواء من الدهونية، يقولون إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من
الأطعمة توضأنا.
ثم لو جئنا إلى البحث عن تلك الرواية وملابساتها نجد أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال ذلك الكلام لأعرابي، بينما أبهمت ذلك الروايات
الأخرى،فقد جاء في مجمع الزوائد للهيثمي:" عن ذي الغرة قال: عرض(
أعرابي) لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يسير،فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل
فنصلي فيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا،قال فنتوضأ من
لحومها؟ قال: نعم،قال فنصلي في مرابض الغنم؟ قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: نعم، قال: أفنتوضأ من لحوها؟ قال: لا،رواه عبدالله بن أحمد
والطبراني في الكبير وسماه يعيش الجهني ويعرف بذي الغرة ورجال أحمد
موثقون".
وكما ذكر الإمام ابن بركة أن العرب تطلق على غسل اليد والفم وضوءا،
فلم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الوضوء الشرعي.
فتلك الروايات الواردة في الوضوء مما مست النار أو الوضوء من لحم الإبل
تتعارض مع السنة المجتمع عليها من أنه لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله،
بالإضافة إلى أنها أبعدت اللفظ عن المقصود به وعن ملابسات الرواية
.
فنخلص مما سبق أن الرأي الصحيح في هذه المسألة هو ما قاله أصحابنا أن
الوضوء لا ينتقض مما مست النار وأن المقصود بالوضوء هو غسل اليد والفم،
وهذه هو الذي يتناسق ومقاصد الشريعة ومدلولاتها.
|